عبد القاهر الجرجاني

37

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

الكلام في إعجاز القرآن من التمهيد : 29 - وجملةُ الأمر أنك لن تَعْلَم في شيءٍ منَ الصناعات عِلْماً تُمِرُّ فيه وتُحلْي ، حتى تَكونَ ممن يَعْرفُ الخطأَ فيها مِن الصَّواب ، ويَفْصِلُ بينَ الإِساءةِ والإِحسان ، بل حتى تُفاضِلَ بينَ الإِحسان والإِحسان ، وتَعْرِفَ طبقاتِ المُحْسنين . وإِذا كان هذا هكذا ، علمْتَ أنه لا يكفي في علمٍ " الفصاحةِ " أن تَنْصُبَ لها قياساً ما ، وأن تَصِفها وصْفاً مُجْملاً ، وتقولَ فيها قولاً مُرْسَلاً ، بل لا تكونُ مِن مَعرفتها في شَيءٍ حتى تُفصِّل القولَ وتُحصِّلَ ، وتضعَ اليدَ على الخصائصِ التي تَعْرِضُ في نَظْم الكَلِم وتَعُدُّها واحدةً واحدة ، وتُسمّيها شيئاً شيئاً ، وتكونُ معرفتك معرفة الصنع الحاذف الذي يعلم علم كل خيط من إلا بريسم الذي في الدِّيباج ، وكلَّ قطعةٍ منَ القِطَع المنجورة في الباب المقطع ، وكل جره منَ الآجرِّ الذي في البناء البديع . وإِذا نظرتَ إلى " الفصاحة " هذا النظرَ ، وطلَبْتَها هذا الطلبَ ، احتجْتَ إلى صبرٍ على التأمُّل ، ومواظَبةٍ على التدبُّر ، وإِلى هِمَّة تَأْبى لكَ أن تَقْنَع إلاَّ بالتَّمام ، وأنْ تَرْبَعَ إلاَّ بَعْد بلوغِ الغاية 1 ، ومتى جَشَّمْتَ ذلك 2 وأَبيْتَ إِلاَّ أن تكونَ هنالك ، فقد أَمَمْتَ إلى غرضٍ كَريم 3 ، وتعرَّضْتَ لأمرٍ جَسيم ، وآثَرْتَ التي هي أتَمُّ لدِينِكَ وفَضْلِك ، وأَنْبَلُ عندَ ذوي العقول الراجحة لك ، وذلك أنْ تَعرِفَ حُجَّة الله تعالى منَ الوَجْه الذي هو أَضْوَأُ لها وأنوه لها 4 ،

--> 1 " ربع يريع ربعًا " ، كف وتوقف وانتظر وتحبس . 2 " جشم الأمر يجشمه جشمًا ، وتجشمه تجشمًا " ، تكلفه على مشقة يعانيها فيه ، ويحمل نفسه عليها . 3 " أممت " ، قصدت . 4 في " س " : " وذلك أنك تعرف . . . وأنوه بها " .